🌴آيات وعبر لمن آمن واستغفر 🌴. 44- غداء الروح* (2)

 



🌴آيات وعبر لمن آمن واستغفر 🌴


 44- غداء الروح* (2)


 اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان. ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. 


     أما بعد:

    

 أحبتي في الله 


يقول الله تعالى في محكم آياته: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (85) الاسراء.

وبما أن الروح من السماء، فغذاؤها أيضا مِن السماء: 

فغذاؤها القرآن، والعبادات، والذِّكر، والعلم النافع، وكلها تتعلق بالسماء. فمن غذاء الروح: تلاوة القرآن، وذكر الله: قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) [الإسراء: 82]. فالقرآن شفاءٌ لأمراض القلوب، وعِلَل النفوس، فيُخلِّص المسلم من القلق والحَيْرة والغَيْرة، والغِلِّ والحقد والحسد، إلى غير هذا من الأمراض النفسية، بل والبدنية أيضا. 

فالقرآن احبتي في الله  غذاء الروح، وسرّ قوتها، وشفاء الصدور وانشراحها، ونور القلوب واطمئنانها، ففي سنن الدارمي: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدُبَةُ اللَّهِ فَخُذُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، 

 فالقرآن الكريم هو غذاء الروح، وهو مأدبة الله عز وجل في الأرض، التي يقيم بها الأرواح ويغذيها، ونحن لدينا من النور بقدر ما لدينا من القرآن في قلوبنا وأفكارنا وتصرفاتنا، فإذا هجرناه، فقدت الأرواح غذاءها، وسقمت، وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ قَرَأَ رَجُلٌ الْكَهْفَ وَفِى الدَّارِ دَابَّةٌ فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ فَنَظَرَ فَإِذَا ضَبَابَةٌ أَوْ سَحَابَةٌ قَدْ غَشِيَتْهُ قَالَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ «اقْرَأْ فُلاَنُ فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ عِنْدَ الْقُرْآنِ أَوْ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ».


وأما ذكر الله : فهو أيضا حياةُ القلب، وغذاء الرُّوح: قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد (28)، وفي صحيح مسلم: (عن أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ «لاَ يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلاَّ حَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ».

ومن غذاء الروح: أداء العبادات التي فرضها الله تعالى: فالعبادة غذاء للروح، ونحن نتعبد لله تعالى بها؛ لأنها غذاء لأرواحنا،

 فالصلاة والدعاء غذاء للروح: فهي الصلة بين العبد وربه، وفي لحظة السجود نكون في تمام القرب منه سبحانه ، وهي العبادة التي نبتهل فيها إلى الله في لحظات إيمانية غامرة، ونطلب فيها الهداية من الرحمن، فالصلاة هي المعراج الأصغر الذي يعرج فيه المسلم إلى ربه.. وما زالت الصلاة كنزا مخفيا لا نعلم عن أسرارها إلا أقل القليل. قال الله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه:١٢٤]، وفي صحيح مسلم: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَثْنَي عَلَيَّ عَبْدِي. وَإِذَا قَالَ (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ). قَالَ مَجَّدَنِي عَبْدِي – وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي – فَإِذَا قَالَ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). قَالَ هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ). قَالَ هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»


من غذاء الروح: الصوم ، وخاصة صوم رمضان، فهو غذاء للروح: فبالصوم يهذب الإنسان روحه، وتسمو نفسه، ويبني إرادته، وينمي عقله، ويقوي جسمه، ويرتقي نحو عالم الكمال المعنوي والروحي، ويتجرد من شهواته ورغباته المادية البحتة. فعندما يصوم الإنسان تصفو نفسه، ويزداد تقرباً من اللَّه عزّ وجلّ، مما يساعده على أداء العبادات بتجرد وإخلاص ولذة معنوية وبالإضافة إلى أن الصوم يورث العلم والمعرفة والحكمة ، فإنه يورث (يقظة عقلية) للكثير من الغافلين عن ذكر اللَّه، وعن الالتزام بأوامره، والاجتناب عن نواهيه


وفي الحج والعمرة أيضا غذاء للروح: فالحج رحلة إيمانية، تسمو فيها الأرواح، وتصفو النفوس، ففي الحج، يستضيف الله عباده المؤمنين الذين جاءوا إليه من مشارق الأرض ومغاربها، نازعين من قلوبهم وأجسامهم كل مظاهر المادية ليتجردوا بأرواحهم وينالوا شرف الضيافة على تلك المائدة الربانية؛ وذلك الغذاء الروحي.


ومن غذاء الروح: العلم النافع، والعمل به، ففي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ)، فالنبي صلى الله عليه وسلم شبه العلم والهدى الذي جاء به بالغيث، وشبه القلوب بالأراضي التي وقع عليها المطر لأنها المحل الذي يمسك الماء فينبت سائر أنواع النبات النافع، كما أن القلوب تعي العلم فيثمر فيها ويزكو وتظهر بركته وثمرته.

ومن غذاء الروح: الرائحة الطيبة ؛ ولهذا حبب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا الطيب؛ لأن النفس ترتاح إلى الروائح الطيبة، وفي مسند أحمد وغيره: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «حُبِّبَ إِلَىَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ»، فالطيب له أثر في زيادة قوة البدن، ودفع التعب والكسل. وفي الطيب من الخاصية أن الملائكة تحبه، والشياطين تنفر عنه، وأحب شيء إلى الشياطين الرائحة المنتنة الكريهة،


احبتي في الله : إن غذاء القلب وصلاحه وسعادته وفلاحه في عبادة الله وحده، والاستعانة به وحده، قال تعالى: (فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ) [الشعراء: 213]، وهلاك القلب وشقاؤه، وضرره العاجل والآجل، في عبادة المخلوق والاستعانة به.

وإن الوحي للأرواح والقلوب بمنزلة الأرواح للأجساد، فكما أن الجسد بلا روح لا يحيا ولا يعيش، فكذلك الروح والقلب بدون روح الوحي لا يصلح ولا يفلح (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ) [غافر: 14، 15].

وإذا كانت القلوب متوجهة إلى الله, والأجساد مزينة بالسنن، فُتحت للإنسان أبواب الهداية والسعادة في الدنيا والآخرة (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 71].

 وإذا أحب الله عبدًا، هداه إليه، وأدخله بيته، وأشغله فيما يحب، واستعمل قلبه وجوارحه فيما يحب: (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) [الشورى: 13].


فجددوا أخوة الإيمان  إيمانكم، واحذروا أمراض القلوب، وعودوا لربكم، ولا تغرنكم الحياة الدنيا.

أسأل الله لي ولكم احبتي كمال الإيمان به، وجميل التوكل عليه، وحسن الظن فيه، واسأله أن يصلح لنا قلوبنا وان يجعلنا ممن توكلوا عليه فكفينا، واستهديناه  فهدانا ، واستنصرناه فنصرنا، وأدخلنا يوم القيامة مدخلا كريما.

اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ، إقضِ عنا الدين وأعذنا من الفقر ، ومتعنا بسمعنا وبصرنا وقوتنا ما أحييتنا يا أرحم الراحمين .

اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر ونسألك عزيمة الرشد ونسألك شكر نعمتك، والصبر على بلائك، وحسن عبادتك، والرضا بقضائك، ونسألك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا، ونسألك من خير ما تعلم، ونعوذ بك من شر ما تعلم، ونستغفرك لما تعلم.

اللهم فرّح قلوبنا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، ويسر غيوبنا، وآتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار .. يا عفو يا غفار متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، واجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وحزننا، ونور أبصارنا وصدورنا، وعلمنا منه ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا

اللهم صلِّ على سيدنا محمد، بحر أنوارك، ومعدن أسرارك، وعين عنايتك، ولسان حجتك، وخير خلقك، وأحب الخلق إليك، عبدك ونبيك ورسولك، الذى حققت به الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه وسلم.

إرسال تعليق

حقوق النشر © أهل الخير والتبيان جميع الحقوق محفوظة
x