🌴آيات وعبر لمن آمن واستغفر 🌴
43- غداء الروح والجسد(1)*
اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان. ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام.
أما بعد:
أحبتي في الله
يقول الله تعالى في محكم آياته: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (85) الاسراء.
من المعلوم أخوة الإيمان أن الإنسان مُكوَّنٌ مِن شِقين أساسيين؛ وهما: (الروح والجسد).
فأما الجسد : فمَبْدؤه من الأرض، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون :12]. وفي الصحيحين: (عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «إِنَّ اللَّهَ – عَزَّ وَجَلَّ – وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ يَا رَبِّ نُطْفَةٌ، يَا رَبِّ عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ مُضْغَةٌ. فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ فَمَا الرِّزْقُ وَالأَجَلُ فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ»،
ولما كان الجسد مخلوقا من الأرض، كان غذاؤه من الأرض: قال تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا) (61) البقرة،
وقال تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) (24): (32) عبس،
وهذا الجسد منتهاه بعد الموت إلى الأرض، قال تعالى: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) طه (55)،
وحينما يموت الإنسان ،يتحلَّل الجسدُ إلى التراب، ففي الصحيحين واللفظ لمسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلاَّ عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ». ومن الأرض يبعث الجسد يوم القيامة، ففي الصحيحين: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ». قَالَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا قَالَ أَبَيْتُ. قَالَ أَرْبَعُونَ شَهْرًا قَالَ أَبَيْتُ. قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أَبَيْتُ. قَالَ «ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً. فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ لَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلاَّ يَبْلَى إِلاَّ عَظْمًا وَاحِدًا وَهْوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، هذا هو الجسد، وهذا غذاؤه، وتلك مراحله، ونهايته، ومبعثه.
"وأما الرُّوح : فهي مخلوق نوراني علوي، جعلها اللَّهُ فِي الْأَجْسَامِ, فَأَحْيَاهَا بِها, وَعَلَّمَهَا وَأَقْدَرَهَا, وَبَنَى عَلَيْهَا الصِّفَاتِ الشَّرِيفَةَ, وَالْأَخْلَاقَ الْكَرِيمَةَ: فالمشاعر والأحاسيس، والحب والبغض، والإرادة والقصد، والأخلاق والطبائع، كلها متعلقة بالروح. وهذه الروح تسمى نفسًا، فقال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر:42]. وقد أضاف الله سبحانه هذه الروح إليه إضافة تشريف، فقال تعالى: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [السجدة:9] ،
وهذه الروح لها أحوال وأحكام، ولها غذاء، وليس غذاء الأرواح من جنس غذاء البدن والجسد، بل إن غذاء البدن إذا زاد عن حده، أفسد الروح وأمرضها، وأدخل عليها من الفساد ما يكون فيه هلاكها.
فالروح: مَبْدؤها مِن السماء، قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم:12]،
وقال تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:69].
وفي الصحيحين: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا،…ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ)،
وهذه الروح تظل في الجسد حتى يتوفاها الله تعالى عند الممات، ومنتهاها إلى السماء: فإذا مات العبد الصالح، صعِدت رُّوحه إلى بارئها. ففي سنن ابن ماجه: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِذَا حَضَرْتُمْ مَوْتَاكُمْ فَأَغْمِضُوا الْبَصَرَ فَإِنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ)،
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصْعِدَانِهَا».. قَالَ «وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الأَرْضِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ. فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَقُولُ انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الأَجَلِ».
وللروح شأنها وحياتها في حياة البرزخ، إلى أن يأذن الله تعالى لها بالعودة إلى الجسد يوم القيامة،
قال تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ) (51)
يتبع
اجارني الله وإياكم من خزي الدنيا والآخرة ورزقنا العفو والعافية والمعافاة الدائمة والفوز بالجنة والنجاة من النار واعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته وحرم أجسادنا على النار برحمته وجوده وعفوه والصلاة والسلام على أشرف خلقه وعلى اله وصحبه.
