🌴آيات وعبر لمن آمن واستغفر 🌴
23-الاكتئاب
الحمد لله وكفى، والسلام على عبده المصطفى؛ أما بعد:
فعصرنا هذا عصر انتشار الفتن بأنواعها، والمحن بأصنافها، كثرت فيه البلايا، وعمَّت فيه الرزايا، تبلَّدت فيه المشاعر، وظهرت فيه السرائر، وأُصيب الناس بداءٍ ربما يكون أخطر من جميع الأدواء، وأشدها فتكًا بالنفس، بل ربما أعظم من الأمراض العديدة والأوبئة الخطيرة، بل ربما أخطر من الأسلحة الفتَّاكة والقنابل المدمرة؛ إنه داء القلق، وضيق الصدر، والكآبة، والضجر، والتشكي وعدم الرضا؛ لأن هذه الأدواء البدنية والصحية يُلتمس لها العلاج، فيتعافى المرء من شرها ووبالها، أما هذه الأدواء، فلا علاج لها إلا أن يمُنَّ الله على عباده، ويرزقهم الشفاء منها
فاصبحت الكآبة ومصطلح الاكتئاب تردد على مسامعنا في كل مكان و لم تعد تسمع غير أنا قلق انا مضطرب، أنا مكتئب، أنا غير مبسوط -كلشي ما مزيانش- -كلشي كاعي- وكأن قاموس الحياة لدينا فرغت من الفرح و السعادة و التفاؤل و الشعور بالبهجة.وكثير منا اصبح يحن للعودة إلى الماضي و الذكريات القديمة و طريقة الحياة البسيطة التي تحلت بالهدوء و الحنين و البهجة و الضحكة الحقيقية التي اصبح اغلب الناس يفتقدونها. وهذا كله راجع لنمط حياتنا المتوحشة التي اصبحت عصبية و مزعجة كلها منافسة غير شريفة وعنف في اغلب التصرفات، وشد وجذب المستمر.(بنادم ولا مضارب غير مع راسو.... ياربي السلامة)
احبتي في الله بالتاكيد فواقعنا الذي نعيشه الان أنسانا إنسانيتنا و جردنا من مشاعرنا الحميمة واصبحت علاقتنا بعضنا لبعض مجرد كلمات نتبادلها في الشارع او العمل او في المناسبات اوعبر تليفوناتنا والواتس اب.. وإن كثرت أو قلت كلماتها فهي مجرد رسالة فنحن نعيش من اجل العمل و كسب المال، و النوم مبكراً للعمل و الاستيقاظ مبكراً أيضا للعمل.
فما الاكتئاب وما علاجه؟؟؟
يقول الله -عز وجل-: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) [طه: 124 – 127].
وقال تعالى: (فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) [الأنعام: 125].
فانظروا احبتي في الله كيف جعل لهذا القلب المهموم المغموم المكتئب ثلاث صفات:
الصفة الأولى: أنه ضيق فلا يتسع لشيء.
الصفة الثانية: أنه حرج؛ فلا يلج إليه شيء ولا ينفع في الغالب فيه نصح.
الصفة الثالثة: (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ)، أي من شدة ضيق الصدر يكاد قلبه ينفجر؛ لأن الإنسان كلما صعد غالبًا إلى السماء نقص عنه الهواء، وكلما نقص عنه الهواء اشتد ضيق صدره واشتد الضيق عن نفسه، فيكاد صدره أن ينفطر..
فيا احي أيها المحزون، يا أيها المكتئب، يا أيها المغموم: إن أردت الدواء أو أردت العلاج فأول خطوة في العلاج أن تغير صحبتك وتغير أصدقاءك، خاصة إذا كنت تعلم أنهم هم السبب في شقائك وهم السبب في تدمير حياتك، هؤلاء القوم مثلهم مثل قول شاعرهم:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
ولقد أبصرت قدامي طريقًا فمشيت
وسأبقى سائرًا إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت كيف أبصرت طريقي لست أدري
حياة كلها حيرة وكلها شقاء، أما رفقاء الخير ورفقاء الإيمان فشعارهم يقول: ذلك الإنسان الذي تكلم بالكلام الطيب والذي كلامه إيمان بالله -جل وعلا- يعرف أنه إنما جاء من أجل طاعة الله ومن أجل عبادة الله -سبحانه تعالى-، أما صاحبنا الذي دخل عليه النبي -عليه الصلاة والسلام- ووجده في المسجد مهمومًا منكسًا رأسه، شحب وجهه ونحل جسمه، قال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: "ما الذي جاء بك إلى هنا في غير وقت الصلاة؟!"، قال: هموم حلّت بي وديون ركبتني، فقال -عليه الصلاة والسلام- وهذا الرجل هو أبو أمامة الأنصاري: "يا أبا أمامة: "ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن يذهب الله همك ويقضي دينك؟!"، قال: "قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال. فإن أنت قلت ذلك ذهب غمك وقضى الله دينك". قال أبو أمامة -رضي الله عنه-: فقلتهن فأذهب الله همي وقضى ديني.
أسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يذهب همومنا وغمومنا وأحزاننا وأحزانكم، وأن يحيينا حياة طيبة، إنه سميع الدعاء.
